من عامل بناء ، الى اغنى فنانين امريكا في ستة اشهر

الظاهرة "كادوريم".  كيف نفهمها؟       القنطرة هي الحياة                                                                      

من لم يتعذب لا يمكن أن يشعر بعذاب الآخرين    .                                                     

 

سيل من التعليقات في وسائل الاتصال الاجتماعي والإعلام حول نشاط هذا الرجل الذي يرفض أن يسميه بالخيري ويفضل إدراجه في باب الواجب تجاه شعبه ووطنه. التعليقات التي تمدح الرجل وتشيد به أكثر من تلك التي تقدح فيه و تشكك في نزاهة عمله ولكنها رغم تناقضها في الظاهر، فهي في الغالب تقف على باب الظاهرة دون الولوج إلى داخلها. ما هو مؤكد أن  الطبيعة  تأبى الفراغ و نشاط السيد كريم جاء ليملأ فراغا  ناتجا عن غياب الدولة فمن هذه الناحية يشبه  في الظاهر العمل الذي أنجزه  نبيل القروي وكاد أن يصل به إلى سدة رئاسة الجمهورية ولكن ليس بالضرورة أن يتطابق معه في هذه الغاية فقد تكون غاية كادوريم الاكتفاء بتحقيق رغبة نفسية وجودية لا يفكر في تجاوزها إلى منصب سياسي حتى و إن كان عمله في جوهره سياسيا وهذا ما عبّر عنه بقوله " أنا رئيس بدون رئاسة ( دون حقيبة)". من البديهي أن خطابه البارحة يزعج كثيرا رجال السياسة وأرباب الدولة بل يهينهم خاصة عندما انتصب في نهاية حواره خطيبا وواعظا مرشدا لهم في أسلوب شعراء الزهد والحكمة القدامى يذكرهم بالموت الذي  لا مناص منه ويدعوهم إلى الانصراف لخدمة شعبهم و ليس خدمة مصالحهم الشخصية وهو يحملق في الكامرا وفي وجوههم في ذات الوقت ولكنه مزعج كذلك  للنخبة المثقفة المتعالية في برجها العاجي والبيروقراطية المتعلمة التي رأت هذا الرجل الذي تصنفه ضمن الشرائح الدونية من المجتمع وضمن فناني الراب الذين تعتبرهم تافهين وغير متعلمين  يسحب من تحت أقدامها بساط المبادرة و الممارسة في التأثير في الجماهير العريضة من الشعب.                                                                    كريم الغربي الملقب بكادوريم شاب تونسي نعرف من خلال أقواله أنه نشأ في أسرة متوسطة الحال إن لم نقل فقيرة كأغلب الأسر التونسية هاجر إلى أوروبا صبيا في السن 16 سنة عمل في البناء يعمل معوله في الحيطان لهدمها تحت القناطر. تشرد في صقيع أوروبا و مارس كل الأعمال الشاقة منذ نعومة آظفاره. " تمرمد" كما تمرمد أغلبنا الذين هاجرنا إلى أوروبا في مثل عمره او أكبر بقليل مغامرين دون سند ماليّ للعمل أو للدراسة. عندما استمعت إليه يتحدث البارحة  عن تجربته في بداية شبابه في الغربة  أستحضرت كل المعاناة التي عشناها   نحن أبناء الشعب الكريم طلبة و غير طلبة في بداية التحاقنا بأوروبا لا نملك إلا قلوبنا و عزيمة فولاذية للبقاء والنجاح ( دونت جزء من هذه التجربة في كتابي ترحال الكلام في أربعين عاما وعام) . كريم تعذب  ومن لم يتعذب ويتألم لا يشعر بعذاب الآخرين ولعل هذا ما يفسر سلوكه اليوم و ما قد لا يفهمه البعض َممن لم يعش تجربته. لا شك أن الرجل يشبع رغبة نفسية في داخله و يبث رسالة قد لا يكون واعيا بها " هذه البلاد التي شردتني صغيرا و لم تحتضنني كما يليق بي وأنا ابنها البار ها أنني أعود إليها اليوم بعد أن نجحت  لأريها كم أذنبتْ في حقي و لكن لن أتركها للذل والمهانة لأنني أحبها" تماما كما يفعل أبطال الحكايات الخرافية كثيرا ما يشردهم والداهم أنفسهما و يعيشون الويلات في الصحاري والبراري ويصارعون الغيلان و ينتصرو ن عليها ثم َيغنمون الذهب والفضة ويعودون إليهما لانتشالهما من الفقر والخصاصة وينتهون بالزواج من بنت السلطان و لعل زواجه من ابنة ابن علي يندرج في هذا الإطار  إثباَتا لبطولته الخارقة.  قصة كادوريم كما يطلق الفرنسيون على سبيل الاستعارة على قصص  الذين يشبهونه في السيرة الذاتية من الفنانين و المشاهير  الأثرياء الذين انطلقوا في الحياة معدمين هي قصة خرافية(un conte de fée ).   لا شك أن كريم يبحث  عن وجاهة و لكن من منا لا يبحث عن وجاهة ما و اعترافا من أهله ومجتمعه بنجاحه حتى و إن اختلفت الطرق في ذلك من شخص إلى آخر؟ . يريد  كادوريم  أن يثبت لنا أنه نجح و ينبغي أن نحترمه ونحتفل معه بهذا النجاح.  يريد أن يثبت أنه غاب وجاب. فعلي الأرجح  يحمل  الرجل قيم الفتيان و الصعاليك  وانا أستمع إليه يتكلم لمست في نبرته صدقا وذكرني بأسود الزبد  قائد العيارين في بغداد منذ أكثر من ألف سنة الذي تحدث عنه التوحيدي في الامتاع و المؤانسة حتى وإن كانت المقارنة لا تجوز بينهما إلا في انتمائهما  إلى الطبقات الشعبية وفي تحولهما من الخصاصة إلى الغني و كذلك مروءتهما وشهامتهما. كان أسود الزبد حافيا عاريا  لا يستتر  إلا بخرقة يستطعم المارة متسولا  تحت قنطرة ( أنظروا في علاقة الرجلين بالقنطرة) وبعد أن حلت الفتنة بطش وسفك الدماء ونهب َ حتى صار ثريا و قائدا مهابا فاشتري  جارية بماله و عندما أراد الوصال معها قالت له "أنا أكرهك" قال لها " لماذا تكرهينني؟ "، قالت " أكرهك كما أنت" وطلبت منه أن يبيعها فإذا به يعتقها ويحررها و يهبها المال الكثير، ما يوفر لها الحياة الكريمة لتنصرف في حال سبيلها في حين لو قالت ما قالته لابن الزبد لأحد الحكام و السلاطين لاغتصبها قبل أن يقطع رأسها (أنظروا سيرة أسود الزبد في الامتاع و المؤانسة وفي Google ) . تلك هي أخلاق الفتوة في كل زمان ومكان.  هذه قراءة أولى ولكن هذا لا يعني أن كريم  لن تغريه السلطة في يوم من الأيام. هذا ما لا يمكن الجزم به الآن وعلى أي حال فالكثير ممن انتصبوا حكاما للبلاد  ونوابا للشعب في البرلمان منذ سنوات ليسوا أفضل منه، بل بدأ أفضل منهم بما في ذلك في حذقه لفن التواصل بصفة تلقائية ودون أن يدفع المليارات لشركات خاصة لتعليمه فن التواصل و تلميع الصورة وتسويقها.

 

Comments

You must be logged in to post a comment.