المانغاكا كينتارو ميورا

قليلة هيَ تلك الأعمال التي تكتب لنفسها سطورًا مضيئة في كُتب التاريخ ، كوننا تواجدنا في نفس وقت تواجد عمل رائع ومميز مثل مانغا بيرسيرك Berserk والتي كتبها ورسمها لنا الرائع “كينتارو ميورا“، “ميورا” الذي رحل عن عالمنا بعمر 54 عامًا فقط، وكونك ربما لم تقرأ مانغا بيرسيرك أو تشاهد ما تم تقديمه عن هذه السلسلة من أنمي وأفلام، ولكنك بالتأكيد قد سمعت الاسم من قبل، ربما من خلال صورة فنية رائعة أو من تجربة صديق لك، أو حتى من خلال الشكوى الدائمة لمتابعي المانغا من تكرار التأجيلات والغيابات للقصة والتي كانت تدوم لسنوات حتى! المانغا بدأت بالصدور منذ العام 1989 وحتى كتابة هذه السطور صدر فقط 364 فصلًا للمانغا، في حين أن أعمال بدأت بعده بسنوات وتجاوزت فصولها الـ 1000 منهم، ولكن…

هذا المقال ليس للحديث عن تأجيلات بيرزيرك ولا عن “غاتس” و “غريفيث” أبطال القصة، ولكنها عن رحلة كاتب مانغا وُلد في محافظة تشيبا اليابانية ولم يكن يعلم حينها أن رسمه وكتاباته ستُغيّر من حياة الكثير من الأشخاص وفي تاريخ الكثير من الأعمال الفنية، إنه الراحل كينتارو ميورا.

في إحدى المرّات تحدّث المانغاكا “جورج موريكاوا” عن بداياته ورغبته في تقديم مانغا  التي تُركّز على رياضة الملاكمة وهي أبرز قصص المانغا الرياضية على الإطلاق. وكيف أنه كشاب صغير في عمر التاسعة عشر لم يمتلك فريقًا لمساعدته أو سُمعة كبيرة تسمح له بالعمل بسهولة. وفي يوم من الأيام وجد شابًا يصغره بعام واحد يتقدّم نحوه لا يحمل معه سوى دفتر صغير ويُخبره أنه ينشد مساعدته في تقديم عمله. ليُقرر “جورج” أن يمنحه لوْحة من رسمه طالبًا منه تقليدها، وكانت المفاجأة! ذلك الشاب الصغير أبهر “جورج موريكاوا” برسمه المتقن وموهبته المتفجّرة التي فاقت عمره بكثير! مما أثار فضوله لمشاهدة محتوى ذلك الدفتر الصغير المُصاحب له دائمًا، ليجد في صفحاته علامة غريبة وجنيْ صغير ورجلاً محارب يحمل سيفًا ضخمًا! هذا الرسّام الموهوب كان “كينتارو ميروا” وتلك الرسومات كانت لشخصيات غاتس و بوكبيرسيرك كان في ذهن ميورا منذ البداية، قبل أن نسمع أو نعرف عنه أي شي، موهبته كانت حاضرة منذ نعومة أظافره، ربما نحن فحسب لم نعلم أن هناك شخصًا بهذا القدر من الموهبة والتأثير قادم إلى حياتنا. 

بدأت مانغا بيرسيرك عام 1989 وهي لا تزال غير مُكتملة – أو مستمرة حتى الآن على الأقل!  – ورُغم مرور أكثر من 30 عامًا على بداية صدورها إلاّ أن المانغا لم يصدر لها سوى 364 فصلًا فقط! في حين تخطّتها أعمال أخرى صدرت بعدها، ولهذا أسباب كثيرة. فحينما بدأ السيّد “ميورا” في كتابة قصته لم يكن يُفكر في النهاية، بل يفكّر في الرحلة نفسها، وكيف يمكن أن يقدم قصة حلم بها وعمل عليها منذ سِن صغيرة. وربما اهتمام “ميورا” بالقصة والتفاصيل وبناء هذا العالم الخيالي الرائع هو السبب الرئيسي في قُدرة هذا العمل على إلهام الكثيرين مستقبلًا في مجالات مختلفة سنتحدّث عنها لاحقًا..

ربما كثيرين منّا لم يعرفوا بتلك المعلومة أو يسمعوا عن طبيعة عمل ميورا من قبل، ولكن كل صفحة في مانغا بيرزيرك كانت تخبرنا بهذا. وأكاد أجزم أنه من المستحيل أن تجد قاريء للمانغا أو حتى شخص يري صورة عشوائية لإحدى صفحاتها ولا يُبدي إعجابه بما يرى.

لكن رُغم كل ذلك فإن لكل عمل فنّي بداية، ووراء الكثير من الأعمال موهبة طَموحة تأمل في النجاح، لذا ما ذكرناه حتى الآن ليس حصريًا لـ “كينتارو ميورا” أو بيرسيرك فقط، عالم المانغا مليء بالأعمال المميزة والمُخلّدة والتاريخ يشهد على ذلك، إذًا بماذا تتميز مانغا بيرسيرك ؟ بماذا تميّز كينتارو ميورا مع كل هذه التأجيلات والتأخر، كيف احتفظت تلك المانغا الدموية السوداوية التي – والتي قرّرت منذ البداية أنها ليست للجميع  – بمكانتها وأهميّتها مُحقّقة مبيعات ضخمة؟ الإجابة تأتي في كلمة واحدة “التأثير”

لم تكتفِ مانغا بيرزيرك بأن تكون مجرد مانغا يصدر لها فصل كل حين فُيتابعه القُرّاء ثم يبدأون بعده رحلة جديدة من الإنتظار حتى صدور الفصل التالي، ولكن ما قدّمته تلك القصة  التي كتبها ميورا  لعالم القصص والترفيه ليس بالهيّن، أسلوب ميورا في الرسم وأفكاره في التصميم كانت مُلهمة للكثيرين من جيل التسعينيات وما بعد ذلك.

على سبيل المثال “هيديتاكا ميازاكي” مخرج سلسلة ألعاب Dark Souls الناجحة، وغيرها من الألعاب التي حققت نجاحًا كبيرًا وجوائز كثيرة، أقر بنفسه أن مانغا بيرسيرك كانت المُلهم الأكبر له في عمله من كتابة القصة وتصميم الشخصيات والأسلحة.  وهو ما يظهر جليًا في السيف الضخم المتواجد في اللعبة أو الدروع المختلفة للشخصيات والأعداء.
كذلك سلسلة Final Fantasy العريقة وسلسلة Monster Hunter وحتى ألعاب وقصص ومسلسلات Castlevania وقد وصل ذلك التأثير للجانب الآخر من العالم، حيث تأثر الكثير من كُتّاب القصص والألعاب في الولايات المتحدة وأوروبا بقصة بيرزيرك سواء ظهر هذا بشكل واضح أو بسيط. وهو ما جعل تاريخ 20 مايو الماضي – وهو اليوم الذي اكتشفنا فيه رحيل كينتارو ميورا عن عالمنا – ورُغم كونه يومًا حزينًا لكنه كذلك كان احتفالًا بإرث ذلك الرجل الذي خلّفه، وكيف أن منّصات التواصل الإجتماعي توحّدت ليوم كامل في ذكر تأثير عمله وأفكاره على عملهم وحياتهم وهو أمر نادر الحدوث بدون شك.

لاعبو Final Fantasy XIV يشكّلون صفًا طويلًا حاملين سيوفًا ضخمة استوحتها اللعبة من مانغا بيرزيرك تكريمًا لكينتارو ميورا يوم معرفة خبر رحيلة 20 مايو الماضي.

بالنسبة لي – كاتب هذه السطور – فقد بدأت قراءة مانغا بيرسيرك منذ ما يقارب 7 سنوات، وأتذكر حينها كيف أخذتني القصة لعالمها وكيف ظللت أقرأ دون توقّف ما إن وصلت لأحد مراحل القصة (دون ذكر تفاصيل أكثر منعًا للحرق)، لأبدأ بعدها رحلة انتظار فصل جديد قد يستغرق عامًا كاملًا ليصدر، والآن فإن هذا الإنتظار سيطول أو ربما سيستمر للأبد، لا أحد يعلم ولكن لم يعد هذا مهمًا إلى هذه الدرجة، الحقيقة الوحيدة الآن هو أن كينتارو ميورا قد رحل لكنه ترك تاريخ استمر لأكثر من 30 عامًا. لقد مات كينتارو لكنه سيعيش في ذكريات وأفكار جيل كامل كبر مع قصته وأجيال قادمة ستعرف وتسمع عنها بكل تأكيد.

لا توجد كلمات مناسبة يمكن أن نختم بها هذا المقال أو ما يمكن أن نُسمّيه رثاء ميورا كينتارو أفضل من كلماته نفسه على لسان بطل قصته غاتس.

وداعًا كينتارو ميورا…

Comments

You must be logged in to post a comment.